فصل: الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة المائدة

 مقدمة

قال الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد، قالت‏:‏ إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة‏.‏ وقال أحمد ايضاً، عن عبد اللّه بن عمرو، قال‏:‏ أنزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، وقد روى الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو، قال‏:‏ آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، وقد روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ آخر سورة أنزلت ‏{‏إذا جاء نصر اللّه والفتح‏}‏، وعن جبير بن نفير، قال‏:‏ حججت، فدخلت على عائشة، فقالت لي‏:‏ يا جبير تقرأ المائدة‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم، فقالت‏:‏ أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ‏"‏رواه الحاكم وقال‏:‏ صحيح على شرط الشيخين‏"‏ورواه الإمام أحمد عن معاوية بن صالح، وزاد‏:‏ وسألتها عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت‏:‏ القرآن‏.‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ‏.‏ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب‏}‏

قال ابن أبي حاتم عن معن وعوف، أو أحدهما‏:‏ أن رجلاً أتى عبد اللّه بن مسعود، فقال‏:‏ اعهد إليّ، فقال‏:‏ إذا سمعت اللّه يقول‏:‏ ‏{‏يا ايها الذين آمنوا‏}‏ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه‏.‏ وعن خيثمة قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ فهو في التوراة يا أيها المساكين‏.‏ وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتاباً لعمرو ابن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنّة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً، وأمره فيه بأمره، فكتب‏:‏ ‏(‏بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه ورسوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود‏}‏ عهد من محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلهن فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏)‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم وأخرج مثله ابن جرير‏"‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏، قال ابن عباس يعني بالعقود‏:‏ العهود؛ قال‏:‏ والعهود‏:‏ ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره؛ وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس العهود‏:‏ يعني ما أحل اللّه وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏سوء الدار‏}‏ وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏أوفوا العقود‏}‏ قال‏:‏ ما أحل اللّه وحرم وما أخذ اللّه من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ اللّه عليهم من الفرائض من الحلال والحرام، وقال زيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ قال‏:‏ هي ستة، عهد اللّه، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد اليمين‏.‏ وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في البيع بهذه الآية ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏، قال‏:‏ فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، ويقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏، وفي لفظ آخر للبخاري؛‏(‏إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏، وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافياً للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعاً، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏}‏ هي الإبل والبقر والغنم، قاله قتادة وغير واحد، قال ابن جرير‏:‏ وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن‏.‏ عن أبي سعيد قال‏:‏ قلنا يا رسول اللّه ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه‏)‏، وقال أبو داود عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏ وقوله‏:‏

‏{‏إلا ما يتلى عليكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير، وقال قتادة‏:‏ يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم اللّه عليه، والظاهر - واللّه أعلم - أن المراد بذلك قوله‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع‏}‏، فإن هذه وإن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب‏}‏ يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم‏}‏ أي إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال، والمراد بالأنعام ما تعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثني من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام‏:‏ وقيل المراد، أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، لقوله‏:‏ ‏{‏فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن اللّه غفور رحيم‏}‏، أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا هنا، أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن اللّه قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه يحكم ما يريد‏}‏‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر اللّه‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد‏:‏ الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر اللّه، وقيل‏:‏ شعائر اللّه محارمه، أي لا تحلوا محارم اللّه التي حرمها اللّه تعالى، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الشهر الحرام‏}‏ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى اللّه عن تعاطيه فيه من الإبتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً‏}‏ الآية، وفي صحيح البخاري‏:‏ عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع‏:‏ ‏(‏إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض‏.‏ السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات‏:‏ ذو القعدة وذو الحجة والمرحم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان‏)‏، وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت كما هو مذهب طائفة من السلف‏.‏ وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الشهر الحرام‏}‏ يعني لا تستحلوا القتال فيه، واختاره ابن جرير أيضاً، وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ قالوا‏:‏ فلم يستثن شهراً حراماً من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن اللّه قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا الهدي ولا القلائد‏}‏ يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر اللّه، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعاً، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهلَّ للحج والعمرة، وكان هديه إبلاً كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب‏}‏ وقال بعض السلف‏:‏ إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي طالب‏:‏ أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن‏.‏ رواه أهل السنن ، وقال مقاتل بن حيان قوله‏:‏ ‏{‏ولا القلائد‏}‏ فلا تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا آمين البيت الحرام يتبغون فضلاً من ربهم ورضواناً‏}‏ أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت اللّه الحرام الذي من دخله كان آمناً، وكذا من قصده طالباً فضل اللّه، وراغباً في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في قوله‏:‏ ‏{‏يبتغون فضلاً من ربهم‏}‏ يعني بذلك التجارة وهذا كما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ورضواناً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يترضون اللّه بحجهم، وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في الحطيم بن هند البكري ، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل اللّه عز وجلَّ‏:‏ ‏{‏ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً‏}‏ ‏"‏أخرج ابن جرير‏:‏ أن الحطيم قدم المدينة في عير له يحمل طعاماً فباعه ثم دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم فبايعه واسلم، فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام، وخرج في عير له يريد مكة، فتهيأ له نفر من المهاجرين والأنصار ليقطعوه في عيره، فأنزل اللّه هذه الآية‏"‏

وقد حكى ابن جرير بالإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس، وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم، واللّه أعلم، فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏}‏، ولهذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام تسع لما أمَّر الصديقُ على الحجيج علياً، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان‏.‏ وقال ابن عباس قوله ‏{‏ولا آمين البيت الحرام‏}‏‏:‏ يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون، فنهى اللّه المؤمنين أن يمنعوا أحداً من مؤمن أو كافر، ثم أنزل اللّه بعدها‏:‏ ‏{‏إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر‏}‏ فنفى المشركين من المسجد الحرام‏.‏ وقال قتادة في قوله ‏{‏ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام‏}‏ قال‏:‏ منسوخ‏.‏ كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد ونقل‏:‏ أن الآية نزلت في الحطيم البكري، وشريح بن ضبيعة القيسي وكانا معتمرين، والحطيم‏:‏ هو الذي قال فيه الرسول ‏(‏دخل بوجه كافر، وخرج بقنا غادر‏)‏ وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ أي إذا فرغتم من أحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا‏}‏ أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم اللّه فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله‏:‏ ‏{‏ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى‏}‏ وقال بعض السلف‏:‏ ما عاملت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه، والعدل به قامت السموات والأرض‏.‏ وقال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل اللّه هذه الآية‏.‏ والشنآن‏:‏ هو البغض، قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآناً بالتحريك، وقال ابن جرير‏:‏ من العرب من يسقط بالتحريك في شنآن فيقول‏:‏ شنان، ولم أعلم أحداً قرأ بها، ومنه قول الشاعر‏:‏

وما العيش إلا ما تحب وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان‏}‏ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير الإثم‏:‏ ترك ما أمر اللّه بفعله، والعدوان مجاوزة ما حد اللّه في دينكم ومجاوزة ما فرض اللّه عليكم في أنفسكم وفي غيركم‏.‏ وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً‏)‏ قيل‏:‏ يارسول الله هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره‏)‏،‏"‏رواه البخاري وأحمد عن أنَس بن مالك‏"‏، وقال عن يحيى بن وثاب - رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم - قال‏:‏ ‏(‏المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم‏)‏ وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏‏(‏الدال على الخير كفاعله‏)‏، وفي الصحيح‏:‏‏(‏من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً‏)‏

 الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ‏}‏

يخبر تعالى عباده خبراً متضمناً النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها اللّه عزّ وجلّ، ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والدم‏}‏ يعني به المسفوح كقوله‏:‏ ‏{‏أو دماً مسفوحاً‏}‏، قال ابن ابي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال‏؟‏ فقال‏:‏ كلوه ‏.‏ فقالواك إنه دم فقال‏:‏ إنما حرم عليكم الدم المسفوح‏.‏ وعن عائشة قالت‏:‏ إنما نهي عن الدم السافح، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏احل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وابن ماجة واليهيقي عن ابن عمر مروفعاً‏"‏وقال ابن ابي حاتم عن أبي أمامة وهو صدي بن عجلان قال‏:‏ بعثني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى اللّه ورسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم؛ فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا‏:‏ هلمَّ يا صدي، فكل، قال قلت‏:‏ ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا‏:‏ وما ذاك‏؟‏ فتلوت عليهم هذه الآية‏:‏ ‏{‏حرمت عليك الميتة والدم‏}‏ الآية، وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق‏:‏

وإياك والميتات لا تقربَنَّها * ولا تأخذن عظماً حديداً فتفصدا

أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئاً محدداً من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيواناً من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولحم الخنزير‏}‏ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق ‏(‏الظاهرية‏)‏ في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الإحتجاج بقوله‏:‏ ‏{‏فإنه رجس أو فسقاً‏}‏ يعنون قوله تعالى ‏{‏إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس‏}‏ أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد‏.‏ وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه‏)‏، فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به ‏!‏‏؟‏ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره‏.‏ وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام‏)‏، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا، هو حرام‏)‏ وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم‏:‏ نهانا عن الميتة والدم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما أهل لغير اللّه به‏}‏ أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير اللّه، فهو حرام، لأن اللّه تعالى أوجب أن تذبح مخلوقات على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمنخنقة‏}‏ وهي التي تموت بالخنق، إما قصداً، وإما اتفاقاً، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به فهي حرام؛ وأما ‏{‏الموقوذة‏}‏ فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد‏:‏ هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت، قال قتادة‏:‏ كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال‏:‏‏(‏ إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله‏)‏، ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذاً لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء، واختلفوا فيما إذا  صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي رحمه اللّه‏:‏ أحدهما لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ، والثاني ‏:‏ أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه لأنه قد دخل في العموم‏.‏ فإن قيل ‏:‏ فلم لا فصل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم‏:‏ إن جَرحه فهو حلال وإن لم يجرحه فهو حرام‏؟‏ فالجواب ‏:‏ أن ذلك نادر لأن من شان الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معاً، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الإحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمترديه والنطيحة وأما السهم والمعراض فتارة يخطىء لسوء رمي راميه أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلاً، واللّه أعلم‏.‏ ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال‏:‏ ‏(‏إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه‏)‏، وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضاً مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا‏:‏ لا يحل ما أكل منه الكلب حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه، وروي ابن جرير في تفسيره عن ابن عمر وابن عباس‏:‏ أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وابو هريرة وغيرهم‏:‏ يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيد الكلب‏:‏ ‏(‏إذا ارسلت كلبك وذكرت اسم اللّه فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك‏)‏

فأما الجوارح من الطيور، فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أي حنيفة وأحمد، قالوا‏:‏ لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وايضاً فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وايضاً فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير، وأما ‏{‏المتردية‏}‏ فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك فلا تحل، قال ابن عباس‏:‏ المتردية التي تسقط من جبل، وقال قتادة‏:‏ هي التي تتردى في بئر، وقال السدي‏:‏ هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر، وأما ‏{‏النطيحة‏}‏ فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون‏:‏ عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون‏:‏ كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة إنما استعمل فيها تاء التانيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم طريقة طويلة، وقال بعضهم‏:‏ إنما أتى بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة، بخلاف عين كحيل وكف خضيب، لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏وما أكل السبع‏}‏ أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك فهي حرام، وإن كان قد سال منها الدم، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم اللّه ذلك على المؤمنين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إلا ما ذكيتم‏}‏ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد بسبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله‏:‏ ‏{‏والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع‏}‏‏.‏

وقال ابن عباس في قوله ‏{‏إلا ما ذكيتم‏}‏ يقول‏:‏ إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه فهو ذكي، وقال ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال‏:‏ إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها فكل، وقال ابن جرير، عن علي قال‏:‏ إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمرتدية والنطيحة وهي تحرك يداً أو رجلاً فكلها، وهكذا روي عن طاووس والحسن‏:‏ أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال؛ وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل‏.‏ وقال ابن وهب‏:‏ سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها‏؟‏ فقال مالك‏:‏ لا ارى أن تذكى، أي شيء يذكى منها، وقال أشهب سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل‏؟‏ فقال‏:‏ إن كان قد بلغ السحر‏؟‏‏؟‏ فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسا، قيل له‏:‏ وثب عليه فدق ظهره، فقال‏:‏ لا يعجبني، هذا لا يعيش منه، قيل له‏:‏ فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء، فقال‏:‏ إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل، هذا مذهب مالك رحمه الله؛ وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى دليل مخصص للآية واللّه أعلم‏.‏ وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال، قلت‏:‏ يا رسول الله إنا لاقوا العدو غداً وليس معنا مُدَى أفنذبح بالقصب‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما أنهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوه ليس السن والظفر‏.‏ وسأحدثكم عن ذلك‏:‏ أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة‏)‏، وفي الحديث الذي رواه الدار قطني مرفوعاً، وروي عن عمر موقوفاً وهو أصح‏:‏ ‏(‏ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق‏.‏ وفي الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال، قلت‏:‏ يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك‏)‏ وهو حديث صحيح ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما ذبح على النصب‏}‏ كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج‏:‏ وهي ثلثمائة وستون نصباً، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله فالذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أُهِلَّ به لغير الله‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تسقسموا بالأزلام‏}‏ أي حرم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم، وقد تفتح الزاء فيقال‏:‏ زَلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها مكتوب إفعل، وعلى الآخر لا تفعل والثالث غفل ليس عليه شيء ومن الناس من قال‏:‏ مكتوب على الواحد أمرني ربي، على الآخر نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ابن جرير، وعن ابن عباس ‏{‏وأن تسقسموا بالأزلام‏}‏ قال‏:‏ والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق وغيره‏:‏ أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له هبل منصوب على بئر داخل الكبعة فيها توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فلما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه، وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال‏:‏ ‏(‏قاتلهم اللّه، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها ابداً‏)‏، وفي الصحيحين أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين قال‏:‏ فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا فخرج الذي أكره‏:‏ لا تضرهم، قال‏:‏ فعصيت الأزلام، واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية، وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره‏:‏ لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك‏.‏

‏{‏ذلكم فسق‏}‏ أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك، وقد أمر اللّه المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يتسخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما روى الإمام أحمد والبخاري عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول‏:‏ ‏(‏إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل‏:‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمير - أو قال‏:‏ عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم‏!‏ وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه، واصرفه عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به‏)‏

يتبع‏.‏‏.‏‏.‏

تابع ‏{‏ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم يئس الذين كفروا من دينكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم، وكذا روي عن عطاء ومقاتل وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم‏)‏ ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحداً إلا اللّه، فقال‏:‏ ‏{‏فلا تخشوهم واخشون‏}‏ أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأوؤيدكم وأظفركم بهم، أشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏ هذه أكبر نعم اللّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً‏}‏ أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي‏.‏ فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً‏}‏ أي فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه لدين الذي أحبه الله ورضيه بعث به أفضل الرسل الكرام، أنزل به أشرف كتبه، وقال ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ وهو الإسلام أخبر اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه اللّه فلا يسخطه أبداً‏.‏ وقال السدي‏:‏ نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ مات رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً‏.‏

لما نزلت ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ما يبكيك‏)‏‏؟‏ قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال‏:‏ ‏(‏صدقت‏)‏، ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت‏:‏ ‏(‏إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء‏)‏، وقال الإمام أحمد‏:‏ جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً‏.‏ قال‏:‏ واي آية‏؟‏ قال قوله‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‏}‏، فقال عمر‏:‏ واللّه إني لأعمل اليوم الذي نزلت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة في يوم جمعة‏.‏ ولفظ البخاري قال، قالت اليهود لعمر‏:‏ إنكم تقرأون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيداً، فقال عمر‏:‏ إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت‏:‏ يوم عرفة وأنا والله بعرفة، قال سفيان‏:‏ وأشك كان يوم الجمعة أم لا ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ الآية، وقال كعب‏:‏ لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر‏:‏ أي آية يا كعب‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ فقال عمر‏:‏ قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه‏:‏ في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد‏.‏ وعن علي قال‏:‏ نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية عرفة ‏{‏اليوم أكملت لكم دينكم‏}‏ ‏"‏رواه ابن مردويه‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن اللّه غفور رحيم‏}‏ أي فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرامات التي ذكرها اللّه تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له، لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له‏.‏ وفي المسند عن ابن عمر مرفوعاً قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته‏)‏ لفظ ابن حبان؛ وفي لفظ لأحمد‏:‏ ‏(‏من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة‏)‏، ولهذا قال الفقهاء‏:‏ قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود‏؟‏ على أقوال؛ كما هو مقرر في كتاب الأحكام‏.‏ وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له‏.‏ وقد قال الإمام أحمد، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلاً فشأنكم بها‏)‏، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين ومعنى قوله‏:‏ ‏(‏ما لم تصطبحوا‏)‏ يعني به الغداء ‏(‏وما لم تغتبقوا‏)‏ يعني به العشاء ‏(‏أو تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها‏)‏ فكلوا منها‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ يروى هذا الحرف، يعني قوله ‏(‏أو تحتفئوا‏)‏ على أربعة أوجه‏:‏ تحتفئوا بالهمزة، وتحتفيوا‏:‏ بتخفيف الياء والحاء، وتحتفوا بتشديد الفاء، وتحتفوا بالحاء والتخفيف ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال أبو داود عن النجيع العامري أنه أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما يحل لنا من الميتة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ما طعامكم‏؟‏‏)‏ قلنا‏:‏ نصطبح ونغتبق‏.‏ قال أبو نعيم‏:‏ فسره لي عقبة، قدح غدوة وقدح عشية، قال‏:‏ ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال‏.‏ تفرد به أبو داود، وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئاً لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق واللّه أعلم‏.‏

حديث آخر ‏:‏ قال أبو داود عن جابر عن سمرة‏:‏ أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهل وولده، فقال له رجل‏:‏ إن ناقتي ضلت فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت فقالت له امرأته‏:‏ انحرها، فأبى، فنفقت، فقالت له امرأته‏:‏ اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال‏:‏ لا، حتى أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله، فقال‏:‏ ‏(‏هل عندك غنى يغنيك‏)‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏(‏فكلوها‏)‏، قال‏:‏ فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال‏:‏ هلا كنت نحرتها‏؟‏ قال‏:‏ استحييت منك‏.‏ وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الإحتياج إليها، والله أعلم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏غير متجانف لإثم‏}‏ أي متعاط لمعصية اللّه، فإن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة‏:‏ ‏{‏فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن اللّه غفور رحيم‏}‏، وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ‏}‏

لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه‏}‏ قال بعدها‏:‏ ‏{‏يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات‏}‏ كما في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث‏.‏ قال ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالا‏:‏ يا رسول اللّه قد حرم اللّه الميتة فماذا يحل لنا منها‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات‏}‏ قال سعيد‏:‏ يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم، وقال مقاتل‏:‏ الطيبات ما أحل لهم من كل يء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما علمتم من الجوارح مكلبين‏}‏ أي أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم اللّه عليها والطيبات من الرزق وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهي‏:‏ الكلاب والفهود والصقور وأشباهها ، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، ممن قال ذلك ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وما علمتم من الجوارح مكلبين‏}‏، وهن الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني الكلاب الضواري والفهد والصقور وأشباهها‏.‏ رواه ابن أبي حاتم، وريى عن الحسن أنه قال‏:‏ البازي والصقر من الجوارح، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله‏:‏ ‏{‏وما علمتم من الجوارح مكلبين‏}‏، ثم قال‏:‏ أخبرنا ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه‏.‏ قلت‏:‏ والمحكي عن الجمهور أن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنها تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير‏.‏ واحتج في ذلك بما رواه عن عدي بن حاتم قال‏:‏ سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال‏:‏ ‏(‏ما أمسك عليك فكل‏)‏، وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهن جوارح‏:‏ من الجرح وهو الكسب، كما تقول العرب‏:‏ فلان جرح أهله خيراً أي كسبهم خيراً، ويقولون‏.‏ فلان لا جارح له أي لا كاسب له؛ وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ويعلم ما جرحتم بالنهار‏}‏ أي ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقلت، فجاء الناس فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها‏؟‏ فسكت، فأنزل الله ‏:‏ ‏{‏يسألونك ماذا أحل لهم قال أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين‏}‏ الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا ارسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل‏)

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ملكبين‏}‏ يحتمل أن يكون حالاً من الضمير في ‏{‏علمتم‏}‏ فيكون حالاً من الفاعل، ويحتمل أين يكون حالاً من المفعول وهو ‏{‏الجوارح‏}‏ أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفاهرا، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره أنه لا يحل له كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏تعلمونهن مما علمكم الله‏}‏ وهو أنه إذا ارسله استرسل، وإذا اشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا ام الله عليه‏}‏ فمتى كان الجارح معلماً وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر السم اللّه عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع‏.‏ وقد وردت السنّة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال‏:‏ قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم اللّه، فقال‏:‏ ‏(‏إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك‏)‏ قلت‏:‏ وإن قتلن‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره‏)‏ قلت‏:‏ قلت له‏:‏ فإني ارمي بالمعراض الصيد فأصيب‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله‏)‏، وفي لفظ لهما ‏(‏إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاته‏)‏، وفي رواية لهما‏:‏ ‏(‏فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه‏)‏، فهذا دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقاً ولم يستفصلوا، كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قال لا يحرم مطلقاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم اللّه عليه‏}‏ أي عند إرساله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي ابن حاتم‏:‏ ‏(‏إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك‏)‏، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضاً‏:‏ ‏(‏إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله‏)‏، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال‏.‏ كما قال السدي وغيره‏.‏ وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏واذكروا اسم الله عليه‏}‏ يقول‏:‏ إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإن نسيت فلا حرج، وقال بعض الناس‏:‏ المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علَّم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال‏:‏ ‏(‏سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك‏)‏ وفي صحيح الباخاري عن عائشة أنهم قالوا‏:‏ يا رسول اللّه إن قوماً يأتوننا حديث عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر اسم اللّه عليها أم لا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏سموا الله أنتم وكلوا‏)‏ حديث آخر ‏:‏ وقال الإمام أحمد عن عائشة‏:‏ أن رسول اللّه كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أما أنه لو كان ذكر السم اللّه لكفاكم، فإذا أكل أحدكم طعاماً فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم اللّه في أوله فليقل باسم اللّه أوله وآخره‏)‏

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن حذيفة، قال‏:‏ كنا إذا حضرنا مع النبي على طعام لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول اللّه، فيضع يده، وإنا حضرنا معه طعاماً فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام، فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب يضع يده في الطعام فأخذ رسول الله بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم اللّه عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما‏)‏، يعني الشيطان، وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي‏.‏

حديث آخر ‏:‏ روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان‏:‏ لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل ولم يذكر اسم اللّه عند دخوله قال الشيطان‏:‏ أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال‏:‏ أدركتم المبيت والعشاء‏)‏ لفظ أبي داود

حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إنا نأكل وما نشبع، قال‏:‏ ‏(‏فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه‏)‏، ورواه أبو داود وابن ماجه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ‏}‏

لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده‏:‏ ‏{‏اليوم أحل لكم الطيبات‏}‏، ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فقال‏:‏ ‏{‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ يعني ذبائحهم، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، إن ذبائحهم حلال للمسلمن لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم اللّه، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ أدلي بجراب من شحم يوم خيبر، فحضنته، وقلت‏:‏ لا أعطي اليوم من هذا أحداً والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم، وفي الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، وأثر ذلك في ثنايا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن عرور فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب وقال ابن ابي حاتم، عن مكحول قال‏:‏ أنزل الله‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا مما لم ذكر اسم الله عليه‏}‏ ثم نسخه الرب عزَّ وجلَّ ورحم المسلمين فقال‏:‏ ‏{‏اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتو الكتاب حل لكم‏}‏ فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب، وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لم يذكرا اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصائبة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور‏.‏

وقال أبو جعفر بن جرير عن محمد بن عبيدة قال، قال علي‏:‏ لا تأكلوا ذبائح بني تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر، وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وطعامكم حل لهم‏}‏ أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخباراً عن الحكم عندهم، اللّه إلا أن يكون خبراً عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن ابي بن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا‏:‏ لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأما الحديث الذي فيه‏:‏ ‏(‏لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد‏"‏فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من المؤمنات‏}‏ أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد‏:‏ المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قال في الرواية الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل‏:‏ حشفاً وسوء كيله والظاهر من الآية أن المراد من المحصنات‏:‏ العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان‏}‏؛ وقد كان عبد اللّه بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول‏:‏ لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏}‏ الآية‏.‏ وقال ابن ابي حاتم عن ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآية ‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏}‏ قال‏:‏ فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأساً أخذاً بهذا الآية الكريمة ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة ‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏}‏ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إذا آتيتموهن أجورهن‏}‏ أي مهورهن، أي كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس‏.‏ وقد أفتى جابر بن عبد اللّه وإبراهيم النخعي والحسن البصري‏:‏ بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان‏}‏ فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضاً محصناً عفيفاً، ولهذا قال غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ‏{‏ولا متخذي أخدان‏}‏ أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذا الآية، وللحديث‏:‏ ‏(‏لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله‏)‏، وقال ابن جرير عن الحسن قال، قال عمر بن الخطاب‏:‏ لقد هممت أن لا أدع أحداً أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب‏:‏ يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله‏:‏ ‏{‏الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة‏}‏ ولهذا قال تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ‏}‏

قال كثيرون من السلف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وكلاهما قريب‏.‏ وقال آخرون‏:‏ بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر‏:‏ يا رسول اللّه إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال‏:‏ ‏(‏إني عمداً فعلته يا عمر‏)‏ رواه مسلم وأهل السنن‏.‏

وقال ابن جرير عن الفضل بن المبشر قال‏:‏ رأيت جابر بن عبد اللّه يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت‏:‏ يا أبا عبد اللّه أشيء تصنعه برأيك‏؟‏ قال‏:‏ بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وفي فعل ابن عمر ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب الجمهور‏.‏

وكان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ الآية‏.‏ وقال ابن جرير عن أنس قال‏:‏ توضأ عمر بن الخطاب وضوءاً فيه تجوّز خفيفاً فقال‏:‏ هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح‏.‏ وقال محمد بن سيرين‏:‏ كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة، أما مشروعيته استحباباً فقد دلت السنّة على ذلك، فعن أنس بن مالك قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال‏:‏ قلت‏:‏ فأنتم كيف كنتم تصنعون‏؟‏ قال‏:‏ كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث‏.‏ وقد رواه البخاري وأهل السنن‏.‏ وقال ابن جرير عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات‏)

وقال ابن جرير، وقد قال قوم‏:‏ إن هذه الآية نزلت إعلاماً من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ، وعن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة‏:‏ ‏{‏يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ الآية، وقال أبو داود عن عبد الله بن عباس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا‏:‏ ألا نأتيك بوضوء‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام‏:‏ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب إذا رايت الأمير فقم، أي له‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين حديث‏:‏ ‏(‏الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى‏)‏ ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه‏)‏، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده‏)‏ و حد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، ويستحب للمتوضىء أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة‏.‏

قال أبو داود عن أنس بن مالك‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال‏:‏ ‏(‏هكذا أمرني به ربي عزَّ وجلَّ‏)‏، قال البهيقي‏:‏ وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك، هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، أو يجبان في الغسل دون الوضوء، كما هو مذهب أي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من توضأ فليستنشق‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر‏)‏ والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق‏.‏

وقال الإمام أحمد عن ابن عباس‏:‏ أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال‏:‏ هكذا رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يعني يتوضا‏.‏ ورواه البخاري‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأيديكم إلى المرافق‏}‏ أي مع المرافق كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً‏}‏ ويستحب للمتوضىء أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه، لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏(‏ إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل‏)‏ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال، سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمسحو برؤوسكم‏}‏ اختلفوا في هذه الباء هل هي للإلصاق، وهو الأظهر، أو للتبعيض‏؟‏ وفيه نظر على قولين؛ ومن الأصوليين من قال‏:‏ هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنّة‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يتوضأ‏؟‏ فقال عبد اللّه بن زيد‏:‏ نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه‏.‏ وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مثله؛ ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكيمل مسح جميع الرأس كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن‏.‏ وقد ذهب الحنفية إلى وجوب ربع الرأس وهو مقدار الناصية، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، ولا يتقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من راسه أجزأه، لحديث المغيرة بن شعبة قال‏:‏ تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال‏:‏ هل معك ماء‏؟‏ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه‏.‏ وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره، ثم اختلفوا في أنه  هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه لحديث حمران بن أبان قال‏:‏ رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح براسه ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك، ثم قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال‏:‏ ‏(‏من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين‏.‏ وفي سنن أبي داود عن عثمان في صفة الوضوء، ومسح برأسه مرة واحدة، واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان رضي اللّه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال أبو داود عن حمران قال‏:‏ رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه‏:‏ ثم مسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا، وقال‏:‏ ‏(‏من توضأ هكذا كفاه‏)‏ تفرد به أبو داود، ثم قال‏:‏ وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الراس مرة واحدة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأرجلكم إلى الكعبين‏}‏ قرىء ‏{‏وارجلكم‏}‏ بالنصب عطفاً على ‏{‏فاغسلوا وجوهكم وأيديكم‏}‏ رجعت إلى الغسل وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف‏.‏ ومن ههنا ذهب من ذهب إلى  وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ووجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب قال بعضهم‏:‏ لما ذكر اللّه تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين دل ذلك على إرادة الترتيب، وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ ‏{‏وأرجلكم‏}‏ بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس‏.‏ وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب‏:‏ جحر ضب خرب، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق‏}‏ وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ؛ ومنهم من قال‏:‏ هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قال الشافعي رحمه الله، ومنهم من قال‏:‏ هي دالة على مسح الرجلين‏.‏ ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنّة وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضاً لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي عن علي ابن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال‏:‏ إن ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال‏:‏ ‏(‏هذا وضوء من لم يحدث‏)‏، رواه البخاري في الصحيح ببعض معناه‏.‏ ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضل وأضل، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضاً، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث وأوجب مسحهما للآية فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما فحكاه من حكاه كذلك؛ ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لا لندارجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم‏.‏ ثم تأملت كلامه أيضاً فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله‏:‏ ‏{‏وارجلكم‏}‏ خفضاً على المسح وهو الدلك، ونصباً على الغسل فأوجبهما أخذاً بالجمع بين هذه وهذه‏.‏

 ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه

يتبع‏.‏‏.‏‏.‏

تابع ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

قد تقدم في حديث أمير المؤمنين عثمان رضي اللّه عنه‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة وإما مرتين أو ثلاثاً على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال‏:‏ ‏(‏هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به‏)‏ وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ تخلف عنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة‏:‏ صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته‏:‏ ‏(‏أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار‏)‏، رواه البيهقي والحاكم‏.‏ وقال الإمام أحمد عن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجلٍ مثل الدرهم لم يغسله فقال‏:‏ ‏(‏ويل للأعقاب من النار‏)‏ وقال ابن جرير عن أبي أمامة‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ابصر قوماً يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء فقال‏:‏ ‏(‏ويل للأعقاب من النار‏)‏، قال‏:‏ فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئاً لم يصبه الماء أعاد وضوءه‏.‏ ووجه الدلاة من هذه الأحاديث ظاهر، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى، وقد روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب‏:‏ أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ارجع فأحسن وضوءك‏)‏ وقال الإمام أحمد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء‏.‏ ورواه أبو داود وزاد ‏(‏والصلاة‏)‏ وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد، قال أبو أمامة‏:‏ حدثنا عمرو بن عبس، قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه أخبرني عن الوضوء‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلا خرت خطايه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره اللّه إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد اللّه ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏)‏ قال أبو أمامة‏:‏ يا عمرو انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أيعطى هذا الرجل كله في مقامه‏؟‏ فقال عمرو بن عبسة‏:‏ يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي وما بي حاجة أن أكذب على اللّه وعلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لو لم أسمعه من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك، وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه‏:‏ ثم يغسل قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل، وهكذا روي عن علي بن ابي طالب رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم، وقد روى أبو داود عن أوس بن ابي أوس، قال‏:‏ رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه‏.‏ وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ثم قال‏:‏ وهذا محمول على أنه تضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه، ولما كان القرآن آمراً بغسل الرجلين كما في قراءة النصب وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليها توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن ابي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه وليس كما زعموه فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة وقال الإمام أحمد عن جرير ابن عبد اللّه البجلي قال‏:‏ أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما اسلمت؛ وفي الصحيحين عن همام قال‏:‏ بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل‏:‏ تفعل هذا‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه‏.‏ قال الأعمش، قال إبراهيم‏:‏ فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم‏.‏ وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وفعلاً، وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر وللّه الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللّذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم‏.‏ قال الربيع، قال الشافعي‏:‏ لم أعلم مخالفاً في أن الكعبين اللذين ذكرهما اللّه في كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم هذا لفظه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه‏}‏ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام‏.‏ وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، ولكن البخاري روى ههنا حديثاً خاصاً بهذه الآية الكريمة، فقال عن عائشة قالت‏:‏ سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً، فأقبل ابو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال‏:‏ حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؛ وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ إلى آخر الآية، فقال أسيد بن الحضير‏:‏ لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم قال السيوطي‏:‏ دل الحديث على أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول الآية، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، وبعضهم يرى احتمال نزول أول الآية في فرضية الوضوء، ثم نزل بقيتها بعد ذلك في التيمم والأول أصوب؛ لأن فرض الوضوء كان مع فرض الصلاة بمكة، والآية مدنية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يريد اللّه ليجعل عليكم من حرج‏}‏ أي فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون‏}‏ أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنّة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال‏:‏ كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله‏:‏ ‏(‏ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة‏(‏ قال، قلت‏:‏ ما أجود هذه‏!‏ فإذا قائل بين يدي يقول‏:‏ التي قبلها أجود منها، فنظرت، فإذا عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ إني قد رأيتك جئت آنفاً، قال‏:‏ ‏(‏ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء‏)‏، لفظ مسلم‏.‏ وروي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب‏)‏ رواه مسلم وروى ابن جرير عن أبي أمامة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه‏)‏ وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الطهور شطر الإيمان، والحمد للّه تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها‏)‏ وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏(‏لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور‏)‏